أحمد فارس الشدياق

75

الواسطة في معرفة أحوال مالطة

ونحوه ، وجميع نسائهم مقتصدات ونشيطات إلى العمل وقلّ منهن من تتعاطى التجارة . ومن طبعهم جملة وتفصيلا الفضول والتلهّي بالإسفاف من القول والعمل ، فإذا أكبّ أحد مثلا لالتقاط شيء من الأرض ازدحمت عليه زمر ، ولا يزال أحدهم يجري من جهة ، وآخر من أخرى حتى تغصّ بهم الطريق ، ولا يبرحون ذاكرين للشيء يحدث أياما حتى يجد غيره . ومتى جرى أمر عرفت أصله ومبدأه وغايته من الجائين والذاهبين ، ولا بدّ لكلّ من طغامهم أن يقص قبل رقوده كلّ ما جرى له أثناء النهار ، وربّما أخبر به غير مرّة وزوّر ورقّش « 76 » حتى يخال نفسه بعد ذلك صادقا ، وأن يتطلّع وهو سائر في الطريق على كل من يمرّ به ، فتراه كأنّما يسلّم على الناس ذات اليمين وذات الشمال . وكثير منهم دأبهم الحضور في المحكمة لاستماع الدعاوى ، فإذا خرجوا بثّوها في كلّ موضع . ولا يمكن أن ينقلوا حديثا إلا ويزيدون فيه ، فإذا ألمّ بعين إنسان قذى ، قال : إنّه عمي . ويبدهون « 77 » الرجل بأن يقولوا له : قد رأينا زوجتك تنظر من الشبّاك أو تحدّث فلانا أو فلانة . ويقولون للمرأة في حقّ زوجها مثل ذلك . وإذا اشتريت من أحدهم شيئا يخبر أهلك به ، ومتى رأوا غريبا نظروا إليه متفرّسين ، وتنصّتوا لاستماع كلامه ليعرفوا بأي لغة يتكلّم ، ويصفون حاله في وجهه بأن يقول أحدهم للأخر : « هذا الرجل من بلد كذا ، وقد أطال المكث هنا ، ولعلّه لا يمكث بعد ، فإنّه كان أولا سليما ، وكأنّه الآن مريض » فيقول الآخر : « وإلى أين يذهب أعساه يجد بلدا خيرا من بلدنا وقد صار مقصد الواردين والصادرين » . وربّما دعت إحدى النساء صواحبها لرؤيته وهي تلكزهن وتومئ إليه . ولا تكاد تخاطب أحدا في الطريق إلا وترى زمرة قد أحدقت بك ، ولا يكاد أحد يأتي أمرا إلا وتتناقله الرواة ، ويسيئون الظن في متزوّج عاشر عزبا أو في عزب دخل دار متزوّج . ولا غرو فإن هذا شأن من لا يرى في بلده شيئا يشغل الخاطر من الأمور الخطيرة ويكون محصورا في صخرة قرعاء راسبة في

--> ( 76 ) رقّش : زيّن ونمّق . ( م ) . ( 77 ) يبدهون الرجل : يفاجئونه . ( م ) .